جديد بيت الفقه
أهلا ومرحبا بكم في منتديات بيت الفقه التابعة لموقع الفقه
بخصوص الزوار .. برجاء تسجيل عضوية بكل سهولة
هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
ثم إنه من المهم جداً تصفح جميع الموضوعات
هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
۩
هنا السيرة الذاتية لمشرف عام موقع الفقه فضيلة الشيخ أيمن سامي
۩
۩
هنا الصفحة العامة لفضيلة الشيخ أيمن سامي على موقع الفيس بوك
۩
اخترنا لك من موضوعات بيت الفقه :
۞ ۩ ۞ لقد فتح الملك الباب ۩ ۞ ۞
۞ لا تنسوا جديد الموضوعات دائماً ۞
جديد بيت الفقه
![]() ![]() |
23-06-2005, 04:55 pm
مشاركة
#1
|
|
![]() عضو ![]() ![]() المجموعة: الأعضاء المشاركات: 36 التسجيل: 17-06-05 رقم العضوية: 6241 |
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم اما بعد فهذه كلمات للامام بن المنير السكندرى رحمه الله فى كتابه الماتع <المتوارى على تراجم ابواب البخارى>فيها الحث على التمسك بالسنة وانها الحصن الحصين ويليها ترجمته للامام العلم المفرد صاحب التصانيف النافعة الامام محمد بن اسماعيل البخارى رحمه الله تعالى والان مع الموضوع
قال الفقيهُ الإمام العالمُ العاملُ الورعُ الفاضلُ، أوحد الفضلاء علماً وحلماً، أكمل الفصحاء نثراً ونظماً، مظهر معاني العلوم استنباطاً وفهماً، والمحتوى على عمدة أُوصولها وفروعها حِفظاً وحُكماً، الفقيه الأجلّ ناصر الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الأجلّ، الأمين المرتضى المكين العدل، وجيه الدين أبي المعالي محمد بن الشيخ الأجلّ السعيد السيد أبي علي منصور خطيب الإسكندرية –أحسن الله جزاءه آمين-: الحمدلله الكبير قبل التكبير، الخبير بما في الضمير، المحيط بمعنى عبارة المعبر ومغزى إشارة المشير. الذي { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}. أحمده وهو بالحمد جديرٌ، وأشكره ونعمه فوق شكري بكثير. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا شبيه ولا نظير، له الملك والذين تدعون من دونه لا يملكون من قطمير. وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله البشير النذير السراج المنير، [كان له ربه سبحانه] خير ظهير، ونصره فنعم المولى ونعم النصير. صلى [الله عليه وعلى آله الذين] أذهب عنهم الرجس وطهرهم أفضل التطهير، وعلى [أصحابه ومن تبعهم] صلاة تصلنا بجواره وحبذا الجوار للمستجير. أما بعد فالسنة هي الجنة الحصينة لمن تدرعها، والشرعة المنيعة لمن تشرعها، وردها صاف، وظلها ضاف، وبيانها واف، وبرهانها شاف، وهي الكافلة بالاستقامة والكافية في السلامة، والسلم إلى درجات دار المقامة، والوسلية إلى الموافاة بصنوف الكرامة، قدوة المتنسك وعروة المتمسك، وبحر البحث وعَلمُ العلم، ومعدن الجواهر السنية ومهيَع الآداب الدنيوية، حافظها محفوظ، وملاحظها ملحوظ، والمقتدي بها على صراط مستقيم، والمهتدي بمعالمها صائر إلى محل النعيم المقيم، أهَّل الله لخدمتها خواص خلقه، وسهل عليهم في طلبها متوعر طرقه فمنهم من حملها واقتصر، ومنهم من هز أفنانها فاجتنى الثمر لما هصر. فمن ثم: كان من الحقوق الواجبة نشرها على الناس قاطبة يحملها الآخذ إلى الغالب، ويبلغها الشاهد إلى الغائب. قال رسول الله ‘: "نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى له من سامع". فوظيفة الحامل في هذه الأمانة أن يؤديها إلى أهلها بالوفاء والتسليم. ووظيفة الحامل الحاذق أيضاً أن يؤديها إلى من عساه أحذق منه في الفهم والتفهيم، وليحذر أن يحجب عن المزيد باعتقاد أنه ذلك العظيم، ففوق كل ذي علم عليم، ومهما ظن أنه ليس وراء قدره مرمى، فقد حرم بركة قوله عز وجل {وقل رب زدني علماً}. وقد كان العلماء الربانيون من هذه الأمة على ما وهبوه من القوة في غاية الخزع والهلع يتدرعون العجز الذي يأباه اليوم لُكع بن لُكع، حتى كان مالك –’- وهو الذي لا يُقري أحد كما يقري أهون ما عليه أن يقول فيما لا يدري أنه: لا يدري، ويشير بها إلى الأفاضل والأماثل، ويقول: جنة العالم: لا أدري، فإذا أخطأها أصيبت منه المقاتلُ. وعزم أمير المؤمنين على أن يحمل الناس في سائر الممالك على الاقتداء بـ"موطأ" مالك وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم نشروا الحق في البلاد، ونصحوا في النظر للعباد، وقد بث الله فضله حيث شاء، ولعل في اللحوق ما يفوق الإنشاء، وقد يفهم الفرع ما خفي عن الأصل، وكيف لأحد أن يحجر واسعاً من الفضل، وبهذا يتنزل قوله عليه السلام: "رب مبلغ أوعى من سامع" على نصابه، ويفهم على ما هو عليه، والمتواضع هو الذي يأتي البيت من بابه. والعلوم واسعة وما أوتي الخلق منها إلا قليلاً، وأولئك أيضاً الأقلون، والزيادات المتواضعة رحمة ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون. ومقتضى الدليل أن باب الزيادة مفتوح إلى عصرنا، فدخل الذي ساءت به الظنون، وقعد المحقق فيه في حيز المغبون، فإن الشريعة مضمونة الحفظ مأمونة الإضاعة، متكلفة في ذمة الله إلى قيام الساعة، فيلزم من ذلك أن يؤهل الله لها في كل عصر قومة بأمرها وخزنة لسرها، يستنثرون جواهرها ويستبينون بواطنها وظواهرها، ويعالجون أدواء كل فصل بما يليق بالحكمة المضبوطة في ذلك الفصل، ويتنزلون الأحكام على المصالح السوانح المختلفة الفروع المتفقة الأصل. وإلى هذه النكتة أشار مالك –’- في متقادم العصور بقوله: "تحدث للناس فتاوى بقدر ما أحدثوا من الفجر". وفضل الله واسع فمن زعم أنه محصور في بعض العصور فقد حجر واسعاً، ورضي بالهوينا، وما أفلح من أصبح بها قانعاً، وربما عقب النجيب، والليالي –كما علمت- حُبالى مقربات يلدن كل عجيب. والمقصود بهذه المقدمة أن الإمام أبا عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري لما أودع كتابه من الفقه الذي اشتملت عليه التراجم ما أودع، ورصّع في عقود تلك الأبواب من جواهر المعاني والحق اللباب ما رصّع، ظهرت من تلك المقاصد فوائد، وخفيت فوائد، واضطربت الأفهام فيما خفي، فمن محوِّم وشارد. فقائل يقول: اخْتُرم ولم يُهذب الكتاب، ولم يرتب الأبواب. وقائل يقول: جاء الخلل من النساخ وتجذيفهم والنقلة وتحريفهم. وقائل يقول: أبعد المنجع في الاستدال، فأوهم ذلك أن في المطابقة نوعاً من الاعتدال. وبلغني عن الإمام أبي الوليد الباجي أنه كان يقول: "يسلم للبخاري في علم الحديث، ولا يسلم له في علم الفقه"! ويعلل ذلك بأن أدلته عن تراجمه متقاطعة، ويحمل الأمر على أن ذلك لقصور في فكرته وتجاوز عن حد فطرته، وربما يجدون الترجمة ومعها حديث يتكلف في مطابقته لها جداً، ويجدون حديثاً في غيرها هو بالمطابقة أولى وأجدى. فيحملون الأمر على أنه كان يضع الترجمة ويفكر في حديث يطابقها، فلا يعن له ذكر الجلي فيعدل إلى الخفي، إلى غير ذلك من التقارير التي فرضوها في التراجم التي انتقدوها فاعترضوها. ويقابل هذه الأقاويل ما أثرته عن جدي –’- سمعته يقول: كتابان فقههما في ترجمهما: كتاب البخاري في الحديث، و"كتات سيبويه" في النحو. فلما قدر لي أن أتصحفها وأتلمحها، لاح لي عن قرب وكثب مغزاه فيها، فألفيتها أنواعاً: منها ما يتناوله الحديث بنصه أو ظاهره وهذه هي الجلية. ومنها ما يتناوله أي يصدق عليه بإطلاقه والأصل نفي القيود. ومنها ما يكون ثبوت الحكم فيه بطريق الأولى بالنسبة إلى المنصوصة. ومنها ما يكون حكم الترجمة فيه مقيساً على حكم الحديث قياساً مساوياً. وقد يعن له نص الترجمة فيعدل عنه اكتفاء بظهوره، ويعمد إلى حديث آخر تتلقى منه الترجمة بطريق خفي لطيف فيذكره. ومنها ما لا يذكر له في الحديث الذي أثبته، لكن يكون الحديث ذا طرق أثبته من بعضها لموافقة شرط الكتاب، ولم يثبته من الطريق الموافقة للترجمة لخلل شرطها، فيأتي بالزيادة التي لم توافق شرطه في الترجمة، وربما أتى بها في صيغة التعليل كحديث وقع له في "اللقطة"، وقد بينه في بعض التراجم على مواضع الخلاف. وقد يترجم على صورة ويورد فيها الأحاديث المتعارضة، ثم قد يبينه على الجمع إن سنح له، وقد يكتفي بصورة المعارضة تنبيهاً على أن المسألة اجتهادية. ومما يستغربونه من تراجمه أن يضمن الترجمة ما لم تجر العادة بذكره في كتب الفقه، كترجمته على أكل الجُمار، فيظن أن هذا لا يحتاج إلى إثباته بدليل خاص، لأنه على أصل الإباحة كغيره، لكن لحظ هو فيه أنه ربما يتخيل أن تجمير النخل إفساد وتضييع للمال، فنبه على بطلان هذا الوهم إن سبق إليه أحد. قلت: -رضي الله عنك!- وقد سبق هذا الوهم إلى بعض المعاصرين فانتقد على من جمر نخلة واحدة بعد أخرى ليقتات بالجمَّار تحرجاً وتوزعاً مما في أيدي الناس لمّا عدم قوته المعتاد في بعض الأحيان. وزعم هذا المعترض إن هذا إفساد خاص للمال وفساد عام في المال. وربما يلحقه بنهي مالك –’- عن بيع الثمر قبل زهوه على القطع إذا كثر، ذلك لأن فيه تسبباً إلى تقليل الأقوات! فلما وفقت على ترجمة البخاري ظهرت لي كرامتهُ بعد ثلاث مئة سنة ونيف، ’. وله أمثال هذه الترجمة كثيرة. ومجموع ما وجدت له من هذه الأنواع قريب أربع مئة ترجمة تحتاج التنبيه، فأثبتها ونبهت على كل نوع منها في مكانه بأقصى الإمكان، وأخصر وجوه البيان. وكأنه –’- تحرج أن يصنف في الفقه على نعت التصانيف المشحونة بالوقائع التي (عسى) كثير منها لم يقع، فيدخل في حيز المتكلف الذي هدد بأنه لا يعان على الصواب، ولا يفتح له باب الحق في الجواب كما نقل عن مالك –’- أنه كان يكره أن يجيب عن مسألة لم تقع ويعتقد أن الضرورة إلى الجواب خليقة بأن يرحم صاحبها بالعثور على الصواب، وأن تكلف الجواب عما لم يقع تصنع أو في معناه، يتحرج الخائف من الله من أدناه. ودعوة المضطر لها خصوصية بالإجابة، حالة الاختيار تستغرب معها أوصاف الأنابة. فهذا –والله أعلم- سِر كون البخاري –’- ساق الفقه في التراجم سياقه المخلص للسنن المحضة عن المزاعم، المستثير لفوائد الأحاديث من مكامنها، المستبين من إشارات ظواهرها مغازي بواطنها، فجمع كتابه العلمين والخيرين الجمَّين. فحاز كتابه من السنة جلالتها ومن المسائل الفقهية سلالتها. وهذا غوص ساعده عليه التوفيق، ومذهب في التحقيق دقيق. [ترجمة الإمام البخاري] وسأذكر من مناقبه الدالة على علو مقامه ما يوجب التقديم لكلامه، والاعتقاد في كماله وتمامه. ونستتبع ذلك ذلك ذكر نسبه ومولده ووفاته مما اشتمل الرئيس العدل الثقة الأمين وجيه الدين أبو المعالي محمد بن الشيخ الصالح أبي علي منصور ابن أبي القاسم بن المختار بن أبي بكر بن علي الجذامي الجروي –’ رحمة واسعة- قال: حدثما الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين أبو العباس أحمد –- ولم تتسع مدة خليفة في الإسلام كاتساع مدته، وكانت نحواً من ثمان وأربعين سنة. قال –-: حدثما الإمام الحافظ أبو العز عبدالمغيث بن زهير الحربي قال: حدثما أبو منصور عبدالرحمن بن محمد بن عبدالواحد القزاز البغدادي قال: حدثما الخطيب الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي بـ"تاريخه" الكبير سماعاً عليه. وبعض ما أورده مختصر اللفظ وافي المعنى –إن شاء الله-. قال الخطيب: "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة أبو عبدالله الجعفي البخاري: الإمام في علم الحديث صاحب "الجامع الصحيح" و"التأريخ"، رحل في طلب العلم إلى سائر الأمصار وكتب بخراسان والجبال والعراق والحجاز والشام ومصر، وروى عن خلق يتسع ذكرهم. أخبرنا أبو سعد الماليني بإسناده إلى محمد بن أحمد بن سعدان البخاري قال: محمد بن إسماعيل البخاري جده بردذبه. وبردذبه: مجوسي مات عليها، وكان زراعاً، والمغيرة ابنه أسلم على يد يمان والي بخارى- وكان جعفياً- فنسب إلى من أسلم على يديه، وهو أيضاً مولاه. وقال الحسين البخاري: رأيت محمد بن إسماعيل شيخاً نحيفاً معتدلاً، ولد الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي ليلة السبت غرة شوال سنة ست وخمسين ومائتين، عاش اثمتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوماً. وقيل لأبي عبدالله: كيف كان بدؤك في طلب الحديث؟ قال: ألهمت حفظه وأنا في الكتاب، ولي عشر سنين تقديراً، ثم اختلفت إلى الداخلي وغيره، وقال يوماً فيما يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلت له: ارجع إلى الإصل، فدخل فنظر فيه ثم خرج، فقال كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأصلحه، وقال: صدقت. فسئل البخاري: ابن كم كنت يومئذ؟ قال إحدى عشرة سنة. قال: وحفظت كتب ابن المبارك ووكيع وأنا ابن ست عشرة سنة، وخرجت إلى الحج، وجاورت في طلب الحديث وصنفت "التأريخ" وأنا عندي قصة (حققت بذكرها)، وصنفته ثلاث مرات. وقال أبو بكر المديني: كنا يوماً عند إسحاق بن راهويه بنيسابور، والبخاري حاضر، فمر إسحاق بذكر عطاء الكيخاراني في عده التابعين، فقال له إسحاق: يا أبا عبدالله أيش كيخاران؟ فقال: قرية باليمن، كان معاوية بعث إليها أحد الصحابة، فسمع عطاء منه حديثين: هذا أحدهما فقال إسحاق: كأنك شهدت القوم. وروى السعداني عن بعض إخوانه أن البخاري قال: أخرجت هذا "الصحيح" من زهاء ست مئة ألف حديث. وعن البخاري أيضاً: ما وضعت فيه حديثاً حتى اغتسلت وصليت ركعتين لكل حديث قبل أن أثبته. وعن بعض المشايخ أن البخاري دوّن تراجم كتابه في الروضة يغتسل ويصلي لكل ترجمة. وقال الفربري: سمع كتاب البخاري تسعون ألف رجل ما بقي منهم غيري. وقال محمد البخاري بخوارزم: رأيت [أبا] عبدالله في المنام يمشي بأثر رسول الله ‘ يتحرى مواضع قدميه. وقيل: إن عينيه ذهبتا في صغره، فدعت أمه وابتهلت، فرأت إبراهيم الخليل –عليه السلام- فقال لها: قدر الله على ابنك بصره رحمة لبكائك ودعائك، فأصبح يبصر. وعن البخاري: كتبت عن ألف شيخ وأكثر، ما عندي حديث إلا أحفظ اسناده. [زهده وورعه:] ومن مناقبه في ورعه مطلقاً، أنه قال: منذ ولدت ما بعت ولا أشتريت بدرهم حتى الكاغد والحبر، كنت أوكّل من يفعل ذلك. قلت: كأنه يقلد الوكيل، ويخلص من عهدة التصرف مباشرة. وكان عنده بضاعة أعطي بها خمس مائة ألف، فلم يتفق له بيعها، فلما كان الغد أعطاه بها آخر عشرة آلاف فقال: كنت البارحة نويت أن أبيعها لمن أعطى خمسة فلا أغير نيتي وأمضاها. وكان في رمضان يختم كل ليلة عند الإفطار ولثلاث [ليال] عند السحر. ولسعه الزنبور وهو يصلي، في سبعة عشر يوماً موضعاً من بدنه، ما تغير حاله ولا أنتقر ثوبه حتى سلّم. وقال محمد بن منصور: كنا في مجلس البخاري في المسجد، فأخذ أحد الحاضرين من لحية البخاري قذاة فطرحها، فرأيت البخاري ينظر إليها وإلى الناس يستغفلهم حتى إذا غفلوا في ظنه أخذها وأدخلها في كمه، فلما خرج من المسجد مد يده إلى كمه فأخذها وطرحها في الأرض. قلت: فهم من قوله عز وجل: {ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} في تلك القذاة من ذرة، وكأنه تورع أن ينزه لحيته عن شيء ولا ينزه عنه المسجد. [قوة حفظه:] ومن نوادر المنقول في حفظه، أن أهل بغداد امتحنوه بمئة حديث حولوا أسانيدها وبدلوها، ثم عرضها عليه عارض في المحفل، فجعل يقول في كل حديث: لا أعرفه. فاستقصر النظارة حفظه، فلما أتم المعارض المائة عطف البخاري عليها فجعل يقول: أما الحديث الأول فهو كذا، وإسناده عندي كذا، إلى أن انتهى إلى آخرها فجودها من حفظه، فأقر الكل له بالفضل وبإحراز الحصل. قال سيدنا ومن مناقبه الدينية ومآثره الدالة على خلوص النية: أنه أمتُحن بمناوأة محمد بن يحيى الذهلي، وكان محمد هذا من جملة مشايخه، ومتعيناً في عصره، متقدماً بالسن، ومتخصصاً بالفضل، وانتصاباً للإفادة، واشتهاراً زائداً على العادة، وآمراً مطاعاً، وحقاً مراعاً. واقتضى له مجموع هذه الأحوال أن ظهر على البخاري، وعبر في وجه وجاهته، وكرر في اعتقاد الخلق صفو نزاهته، إلى أن نادى عليه أن لا يجلس أحد إليه، فأقام البخاري برهة من الزمان وحيداً فريداً، ثم لم يكفه حتى أجلاه عن الوطن غريباً شريداً، وانقسم الناس في حقه إلى قسمين: أحنهما عليه وأدناهما إليه، هو الذي يظن فيه الاعتقاد ولا يتجاسر على إظهار تعظيمه خشية الانتقاد؛ حتى قبل عنه –رضي الله [عنه]-: إنه دعا في سجوده ذات ليلة دعوة ورخها من كان معه وأجابها من قبل دعاءه وسمعه، وذلك أنه قال: اللهم إنه قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك" فقبض لشهر من هذه الدعوة. ثم لم يكن إلا أن اجتمع الخصمان في دار الجزاء، وقدما على الحكم العدل المنصف في القضاء، فانقلب خمول البخاري ظهوراً، وظهور غيره دثوراً، وقطع الناس بتعظيم البخاري أعصراً ودهوراً وقطع ذكر الذهلي حتى كأن لم يكن شيئاً مذكوراً، فهو إلى الآن لا يعرف اسمه إلا متوغل في معرفة أسماء المشاهير والخاملين، ولا يمر ذكره على الألسنة إلا في الحين بعد الحين، والعاقبة للمتقين والعمل على الخواتم وعندها يزول الشك باليقين. [المحنة:] وقصته مع محمد بن يحيى الذهلي أسندها الخطيب وهذا معناها: قال: حدثمي محمد بن [أحمد بن] يعقوب، حدثما محمد بن نعيم، قال: سمعت محمد بن حامد، يقول: سمعت الحسن بن محمد، يقول: سمعت محمد بن يحيى الذهلي، يقول لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح العالم فاسمعوا منه، فذهب الناس إليه وأقبلوا بالكلية عليه، حتى ظهر الخلل في مجلس الذهلي فحسد بعد ذلك وتكلم فيه. قال الفقيه –وفقه الله-: قلت: تحسين الظن يوجب تحرير هذه العبارة وكأنه أراد –والله أعلم- فعل معه فعل الحاسدين بتأويل عنده –والله أعلم-. قال: وأخبرنا أبو حازم قال: سمعت الحسن بن أحمد بن شيبان يقول: سمعت أبا حامد يقول: رأيت محمد بن إسماعيل في جنازة أبي عثمان والذهلي يسأله عن الأسماء والكنى والعلل، وهو يمر [فيه] كأنه السهم. فما أتى على ذلك شهر حتى تكلم فيه وقال: من اختلف إليه، لا يختلف إلينا، وتعلل بأن أهل بغداد كاتبوه بأنه تكلم في اللفظ. وكان الذهلي يقول: من قال: "لفظي بالقرآن مخلوق" فهو مبتدع يزجر ويهجر، ومن قال: القرآن مخلوق فهو كافر يقتل ولا ينظر. والذي صح عن البخاري –’- أنه سُئل عن اللفظ، وضايقه السائل فقال: أفعال العباد كلها مخلوقة. وكان يقول مع ذلك: القرآن كلام الله غير مخلوق. وذكر أن مسلم بن الحجاج رحمه الله ثبت معه في المحنة، وقال يوماً الذهلي –ومسلم في مجلسه-: من كان يختلف إلى هذا الرجل، فلا يختلف إلينا، فعلم مسلم أنه المراد، فأخذ طيلسانه وقام على رؤوس الأشهاد، فبعث إلى الذهلي بجميع الأجزاء التي كان أخذها عنه. [ورعه:] ومن تمام رسوخ البخاري في الورع أنه كان يحلف بعد هذه المحنة، أن الحامد والذامّ عنده من الناس سواء! يريد أنه لا يكره ذامّه طبعاً، ويجوز أن يكرهه شرعاً، فيقوم بالحق لا بالحظ، ويحقق ذلك من حاله أنه لم يمح اسم الذهلي من "جامعه"، بل أثبت روايته عنه، غير أنه لم يوجد في كتابه إلا على أحد وجهين: إما أن يقول: "حدثما محمد" ويقتصر. وإما أن يقول: "حدثما محمد بن خالد". فينسبه إلى جد أبيه. فإن قلت: فما له أجمله، واتقى أن يذكره بنسبه المشهور؟ قلت: لعله لما اقتضى التحقيق عنده أن يبقي روايته عنده خشية أن يتكلم علماً رزقه الله على يديه، وعذره في قدحه فيه بالتأويل والتعويل على تحسين الظن، خشي على الناس أن يقعوا فيه بأنه قد عدل من جرحه، وذلك يوهم أنه صدقه على نفسه فيجر ذلك إلى البخاري وهْنا، فأخفى اسمه وغطى وما كتم علمه، فجمع بين المصلحتين، والله أعلم بمراده من ذلك. قال سيدنا ومولانا الفقيه هذا آخر ما سنح لنا إثباته من مناقبه، ليعظم بذلك وقع العلم عند طالبه. رزقنا الله العمل بما علمنا، والعذر فيما جهلنا، والتوفيق فيما قلنا، أو فعلنا، وأداء الأمانة فيما حُملنا. وهذا أوان تفتح المطلوب بعون الله وتيسيره، وعلى الله قصد السبيل في تحري الصواب وتحريره، وهو حسبنا ونعم الوكيل. نقل من كتاب المتوارى لأبن المنير السكندرى رحمه الله تعالى اسال المولى سبحانه وتعالى ان ينفع بها والسلام عليكم -------------------- اللهم صلى على محمد وأل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى أل إبراهيم
|
|
|
|
![]() ![]() |
منتديات بيت الفقه كأي منتدى حواري من البديهي أن المنشور فيها إنما يعبر عن وجهة نظر من كتبه دون تحمل إدارة المنتدى أي مسؤلية تجاه مشاركات الأعضاء ، غير أنَّا نسعى جاهدين إلى تصفية المنشور وجعله منضبطا بميزان الشرع المطهر .
| الوقت الآن: 3-09-2010, 12:38 am | نسخة خفيفة |
|